أضواء على الجوانب الاقتصادية من أزمة كوفيد-19 على المغرب
التاريخ إما أن يُدرس بقواعده وأصوله لأبنائنا في المدارس العمومية، وإما من الأفضل ألا يدرس لهم. شخصيا أُُفضل ألا يدرس تاريخنا لأبنائنا على أن يدرس لهم بالطريقة الحالية: تاريخ انتقائي، مختزل، مشوه أحيانا، ويقدم صورة ضبابية تنعكس سلبا على نظرتهم لكياننا الحضاري، ويزكي نزعتهم نحو السلبية والانهزامية.
لقد فشلنا نحن، فلماذا نصر على دفع الجيل الصاعد هو الآخر نحو الفشل؟ بل علينا أن نجعله جيل مستعد لخوض معركته الحضارية، بعقلية إما أن يكون أو لا يكون، وليس جيل يشعر بالعار وبالهزيمة حتى قبل أن يخوض المعركة، وهي معركة سلاحها العلم والمعرفة، وآلياتها نظام كامل الديمقراطية، يحظى فيه الشباب بتعليم جيد ونظام صحي متقدم، صوتهم فيه مسموع، وتخول لهم مهام القيادة؛ جيل عُرُّف بتاريخه الحقيقي، بانجازاته وبكل أخطائه وانتكاساته، حق المعرفة. فمن لا يعرف تاريخه لا مستقبل له.
إن هذا الجيل الماسك بزمام السلطة اليوم عليه أن يعترف بفشله، ويتوارى نحو الوراء، تاركا للشباب المتعلم فرصة استيلام المشعل؛ عليه أن يزرع فيه بذور الثقة وأن يتركه يخوض بنفسه معركته الحضارية، لأنه العارف بأدوات عصره. إلا أنه رغم فشله، مصر على تمسكه بالسلطة، بالحديد والنار، ويسوق هزائمه كانتصارات كبرى، رغم أن نجاحه الحقيقي هو في فشله. إنه متفوق في الفشل ويحصد فيه أعلى المراتب!
لذلك دولنا وحكوماتنا وبرلماناتنا من المحيط إلى الخليج ما هي سوى دول وحكومات وبرلمانات “لا غالب إلا الله”، وامتداد تاريخي لهذه العبارة. فما أصل الحكاية؟
مرة أخرى للتاريخ كلمته الفيصل، وهو التاريخ الذي لا يعلم عنه شبابنا للأسف سوى النذر القليل.
“لا غالب إلا الله”، اتخذه ملوك بنو الأحمر، النصيريين، آخر سلالة حاكمة لما تبقى من التواجد المسلم بالأندلس، شعارا لمملكتهم. من زار قصر الحمراء بغرناطة سيلاحظ أنه نقش بشكل كثيف على جدرانه، وكذلك من زار قصر الملك القشتالي بيدرو بإشبيلية.
في الواقع، ما أشبه واقعنا اليوم بالأمس البعيد! إننا نعيد استنساخ تاريخ تواجد العنصر المسلم بشبه الجزيرة الإيبيرية، بشكل يكاد يكون بالنقطة والفاصلة. ما نعيشه اليوم نسخة كربونية مما عاشه أسلافنا بالأندلس. لم نتعلم من أخطاء الماضي البعيد، وبالتالي من الطبيعي ألا نتعلم أيضا من أخطاء الماضي القريب.
تاريخ التواجد الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية امتد على ما يزيد من ثمانية قرون، فيه الكثير من الأمجاد، الكثير من الانتصارات، والكثير من الانتكاسات أيضا. لكن حينما بدأت هذه الأخيرة اتخذت منحى متسارع انتهى بالطرد النهائي للمورسكيين سنة 1604.
حتى لا نطيل أكثر، نقول بعد أن أصاب المسلمين الضعف نتيجة صراعاتهم وانقساماتهم، تماما كما هو حالنا اليوم من فرقة وشقاق، انحصر التواجد الإسلامي في شريط ضيق من غرناطة إلى مالقة مرورا بألمريا، وبعد سلسلة من الغارات والمناوشات من كل الجبهات من الشرق، (مملكة أراغون) ومن الغرب (البرتغال)، ومن الشمال وحتى من الحنوب (مملكة قشتالة)، وذلك بعد سقوط طريفة وجبل طارق ثم الجزيرة الخضراء، ونتيجة لذلك، وتجنبا لما هو أسوء، أو بالأحرى تأخيره، لم يكن أمام مملكة غرناطة سوى أن تبرم اتفاقية في شخص أميرها ابن الأحمر مع ملك قشتالة فرناندو الثالث. بموجب هذه الاتفاقية أصبحت مملكة بنو الأحمر ملزمة على دفع جزية سنوية لمملكة قشتالة، في تشابه كبير مع الجزية التي يدفعها الحكام العرب اليوم، كل في فلكه الذي يدور فيه: إما فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية، نعود ونقول أن مملكة بنو الأحمر أصبحت تدفع الجزية، كما أصبحت بموجب تلك الاتفاقية ملزمة على خوض أية معركة يخوضها القشتاليون تحت رايتهم. ومن أجل ضمان احترام ابن الأحمر لبنود الاتفاقية أحضر أحد ولاته لبلاط الملك فرناندو.
هكذا أصبحت مملكة بنو الأحمر لا تملك من السيادة سوى الإسم. فبات التواجد الإسلامي بشبه الجزيرة قاب قوسين أو أدنى من بلوغ نهايته، ورغم ذلك مزقت الفرقة والخلافات أمراء مملكة بنو الأحمر عقب وفاة كل سلطان. في الواقع، مملكة بنو الأحمر أنهكتها الخلافات الداخلية من جهة والهجمات الصليبية من جهة أخرى.
نشير إلى أن الاتفاقية المذلة التي وقعت مع قشتالة سببها أن خلافا داخليا حول الحكم نشب بين أميرين، فاستقوى أحدهما بالقشتاليين، فاشترطوا مقابل ذلك، وفي حالة وصوله إلى سدة الحكم توقيع المعاهدة بشروطها المذلة، ومن عجائب الصدف أن تلك المعاهدة اعتبرت هي الأخرى معاهدة السلام. ما أشبه الحاضر بالأمس البعيد!
الخلافات الداخلية مزقت مملكة بنو الأحمر، فانقسمت في نهاية المطاف إلى شطرين، أمير يسود باشبيلية، وآخر يحكم شطر غرناطة.
قرر ملك قشتالة أن الوقت قد حان لاسترداد مدينة اشبيلية، فأعلن الحرب ضدها، وبموجب تلك الاتفاقية كان أمير غرناطة أبو عبد الله محمد الأول ملزما بأن يعلن الحرب بدوره على أمير اشبيلية. ومن أجل إذلال أمير غرناطة، وضعه ملك قشتالة هو وجنوده في الصفوف الأمامية، مسلمين يقاتلون مسلمين، والملك القشتالي يتفرج من أعلى الربوة. إن هذا يذكرنا بحرب اليمن مثلا، وتدمير سوريا اليوم وغزو العراق بالأمس، إلخ. نعود ونقول أن أمير غرناطة شارك في الحصار، بل وَمن أجل تأكيد ولاءه لملك النصارى أبلى البلاء الحسن، ولعب دورا بارزا هو وجيشه في سقوط مدينة اشبيلية، في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي…
وهو في طريق العودة شعر الأمير بفداحة الخطأ الذي ارتكبه، وأن الدائرة ستدور عليه وعلى مملكته، وأن سقوطها صارت مسألة وقت فقط.
كان الأندلسيين في تلك الفترة اختلطت عاميتهم بمفردات من القشتالية، والعكس صحيح، فكان شيء طبيعي أن تجد أندلسيا يتحدث إضافة إلى العربية الأندلسية القشتالية أو الأراغونية، نقول أنه عندما عاد الأمير لعاصمة مملكته غرناطة استقبل استقبال الأبطال من طرف الغرناطيين مسلمين ومسيحيين ويهود، يهتفون له بالقشتالية ويقولون: “vencedor… vencedor”، أي “الغالب… الغالب”، والأمير الغرناطي يطأطأ الرأس ويجيبهم بحسرة قائلا: “لا غالب إلا الله… لا غالب إلا الله”، وكأنه يقول في قرارة نفسه: “لا تفرحوا كثيرا فالدور آتي عليكم”. في الواقع، شعر الأمير الغرناطي بالندم الشديد لما أقدم عليه، شعر بالندم لاستعانته بالعدو الحقيقي لهزم عدو من ورق، صنعه من وحي خياله ومن مطامعه الشخصية.
من أجل التكفير عن ذنبه أمر أن ينقش على جدران قصره المفضل عبارة “لا غالب إلا الله”، وأن يُتخذ شعارا لمملكته حتى يذكر الملوك الذين سيحكمون من بعده بخطورة وضع اليد مع العدو المحتل، وكأن هذا الأمير علم أن التواجد الإسلامي بالأندلس قد انتهى فعليا منذ أن شارك في حصار اشبيلية، وأراد أن يترك لأحفاده تحذيرا مكتوبا على جدران قصره حتى لا تسقط أوطانا أخرى، لكن للأسف حكامنا لا يقرأون التاريخ، وربما يقرأونه جيدا، لكن يخفون حقائقه عن شعوبهم، يريدون شعوبا لا بوصلة تاريخية لها، ربما اعتقادا منه أن ذلك يصون عروشهم.
لكن لماذا أقنع أمير غرناطة نفسه بضرورة احترام اتفافية لم يوقعها شخصيا؟ لماذا قبل بتحمل وزر غيره؟ في الواقع لقد كان من الضعف الشديد الذي لم يمكنه من أن يرفض المشاركة في الحصار. لكن ألم يكن أمام أمير غرناطة أبو عبد الله محمد الأول بدائل أخرى؟ ألم يكن بإمكانه أن يضع يده في يد حاكم اشبيلية، ويشكل قوة ضاربة تحمي الأرض والعرض. لماذا اختار الفرقة؟ لأنه خاف على عرشه، ومن أجل ذلك اختار الخيانة عوض سلك سبيل المقاومة.
خوفه من خسارة ملكه وملك أجداده أخرس صوت الحكمة والعقل لديه، فلم يستمع لصوت العلماء، لم يستمع لصوت شعبه الذي كان رافضا لمعاهدة الذل والعار، بل أنصت لصوت أطماعه السياسية ونزواته الشخصية. لقد كان هناك تنافس غير محمود بين الأميرين، وعداوة عميقة تفصل بين الرجلين، فوجد أمير غرناطة في ذلك فرصة للتخلص من خصمه اللدود، وحينما أسقطه بات الطريق سالكا أمام الممالك النصرانية لإنهاء التواجد الإسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية، وهو الحلم الذي عملت أجيال، كسلسلة مترابطة، على توفير ظروف نجاحه، ولم يدب اليأس في أي جيل خلال ذلك. خطأ قاتل أن نزرع بذور اليأس في نفسية الشباب.
