كثيرا ما يشاع أن حزب العدالة و التنمية حزب مخزني ، و أن الإدارة المخزنية وظفته كورقة سياسية للتخفيف من الاحتقان الاجتماعي الذي جاء مع زخات الربيع العربي ، فكان الخيار الأول و السليم للمخزن للإسراع في احتواء هذا الاحتقان ، و استيعاب الاحتجاجات التي شهدتها مدن مغربية عدة ، هو اختيار حزب يتوافق عليه الجميع ، و يمكن أن يعوّل عليه ، و يمكن أن يشكّل أيضا الأمل للسلطة و للشعب للخروج من عنق الزجاجة، و ذلك ما كان .
فحزب العدالة و التنمية آنذاك و هو في المعارضة ، كان الحزب الوحيد الذي تجتمع فيه هذه المواصفات ، و كان هو الحزب الذي ما زالت أيديه بيضاء نقية ، و الذي في نفس الوقت أبان عن حنكة و حكمة و حكامة في تسيير الجماعات القليلة و الصغيرة التي كان يرأسها و يسيرها ، و أيضا أبان عن مجهود لا يقل جودة عن الأول على مستوى المؤسسسة التشريعية -البرلمان- ، و الذي أيضا و هو الأهم ، يحضى بتأييد شعبي و جماهري منقطع النظير و يفوق بكثير التأييد الذي تحضى به باقي الأحزاب الأخرى .
ففي تلكم اللحظة سنة 2011 ، و في خضم الإحتجاجات و المظاهرات التي طالت كبريات و معظم المدن المغربية ، كان السخط الشعبي في وهجه ، و الرغبة في التغيير في ذروتها ، و استفحال الفساد الذي خرم جسد الدولة و أزرى بالشعب ما زال يذكي نار الثورة و لهيبها . فكانت الأمور غامضة ، و الوجهة غير محددة ، و الوضعية خطيرة و دقيقة .
و الدولة المغربية و رأسها كانا بين خيارين اثنين لا ثالث لهما ، إما خيار التصلب و التجمد على موقف الممانعة و سياسة المماطلة عبر الإبقاء على الأمور و الشخوص التي انتفض الشعب و الشباب ضدها و لا نعلم ماذا كان سينتج هذا الموقف ، و بين خيار الرضوخ لصوت الشعب و كلمته ، و القيام بإصلاحات جذرية على رأسها تعديل دستوري .
فاختارت بلادنا الخيار الثاني و تجنبت مسار الدول التي اختارت التصلب و التجمد ، بل سلكت مسلكا لينا في التعامل مع الحدث و إعادة ترتيب أوراق الحكم بشكل حضاري .
ألقى الملك خطاب 9 مارس الشهير ، وبعد شهور معدودة صوت المغاربة على دستور جديد ، وأقيمت انتخابات برلمانية سابقة لأوانها ، فاكتسح حزب العدالة و التنمية الساحة بقيادة زعيمه الأستاذ عبد الإلاه بنكيران فحقق فوزا ساحقا ، و لأول مرة يأخذ بزمام رئاسة الحكومة ، و هنا مربط الفرس و مِفصل القول ..
مما يثيره البعض بل و يؤمن به إيمانا يخلو من شك ، هو أن كلٌّ من الإدارة المخزنية و الأمانة العامة لحزب العدالة و التنمية قرروا أن يقوموا بتحالف سياسي خفي من أجل تسكين الوضعية الحرجة للبلد ، و الخروج من الأزمة بأخف الأضرار ، و ذلك عبر تمكين العدالة و التنمية من المقاعد النيابية و تسهيل الأمور عليهم حتى يستأثرو بالحكم و ذلك ما كان .
صراحة الرد على مثل هكذا إدعاء ، لا يحتاج الكثير من تعمق و التحليل حتى يُنسف جملة و تفصيلا ، فمن يقول هذا القول في الدرجة الأولى هم في الحقيقة خصوم سياسيون و فاعلون مدنيون تحركهم ولاءاتهم الحزبية و أحقادهم النفسية ، بعدما فشلوا فشلا ذريعا في أول انتخابات نزيهة بنسبية طبعا يعرفها المشهد الإنتخابي بالمغرب ، لكنني سأحاول في هذا المقال أن لا أرد عليهم بل سأعطيهم بعض الحقائق و الوقائع التي تفند إدعائهم الباطل.
أولا حزب العدالة و التنمية على رأس الحكومة الأولى بعد دستور 2011 عرف عراقيل ممنهجة من طرف جهات تملك تأثيرا كبيرا على بعض الأحزاب السياسية ، فما هي إلا سنتين من الإشتغال حتى شاهدنا انسحاب حزب الإستقلال بطريقة مشبوهة و الذي كان يشكل السند الأول للعدالة و التنمية في التسيير الحكومي .
ثانيا تجييش العديد من زعماء الأحزاب و على رأسهم حزب الأصالة و المعاصرة للضرب في مشروعية الحزب و مشروعية زعيمه عبر اتهامه كل مرة بأن الحزب يشكل امتدادا للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين ، و محاولة تسويق الفكرة إعلاميا على أن الحزب لديه فكر داعشي يريد أن يطبق الشريعة و الحدود و القصاص و يبعث الخلافة من جديد الشيء الذي يخلق هالة إعلامية يصدقها بعض من لا يكلفون أنفسهم عناء التحري و البحث .
ثالثا تتبع عورات زعمائه و رموزه و الأسماء االبارزة و المؤثرة فيه ( النجار ، الشوباني ، يتيم ، ماء العينين ، و حتى بعض شبابه الذين استخدموا كورقة ضغط أيام البلوكاج … ) ، و أيضا تلفيق التهم الجاهزة لهم ، بل و تجييش أشخاص لإحياء و استغلال قضايا ميتة كقضية أيت الجيد التي يريدون بها رأس الدكتور عبد العالي حامي الدين ، و طبعا لا يفعلون ذلك إلا مع أصحاب العدالة و التنمية ، أما أصحابهم فحتى إن استغلو النفوذ و ضبطو في قضايا فساد فيبقون بعيدين كل البعد عن المتابعة .
رابعا ، البلوكاج الحكومي المعروف نتيجته ، و المجهولة أسبابه ، البلوكاج الذي أريد به رئيس الحكومة آنذاك ، الرجل المفوه الأستاذ عبد الإلاه بنكيران الذي عرّى رؤوس الفساد و أركانه ، و الذي كان السبب في زيادة منسوب الوعي السياسي لدى المواطنين حتى بات المواطنون يتسابقون للمقاهي لا من أجل مشاهدة مباريات الكلاسيكو و الدربيات العالمية ، بل فقط لمشاهدة الجلسة الشهرية لرئيس الحكومة بالبرلمان ، و التي كان يسجل فيها بنكيران أهدافا في المعارضة أكثر مما كان يسجله نجوم الكرة مجتمعين في شباك خصومهم .
خامسا انتخاب رئيس مجلس النواب بطريقة فكاهية مسرحية ، فالعرف السياسي في انتخاب رئيس مجلس النواب ، يكون لصالح الحزب الذي تبوأ المرتبة الثانية في نتائج الإنتخابات ، و طبعا الذي يكون داخلا في الإئتلاف الحكومي ، فكان الأصح أن يكون حزب الإستقلال ، لكنه أزيح بسبب قول أمينهم العام في لقاء داخلي بأن موريتانيا تاريخيا كانت أرضا مغربية ، و لكن الحقيقة أنه أزيح و منع من المشاركة في الحكومة بعدما قرر إعادة النظر في مواقفه ، و الإسطفاف في صف الشعب من جديد .
سادسا مقتل الدكتور عبد الله باها بطريقة مشبوهة في خضم ولايته الوزارية ، و كأن الله ما اختاره ليموت إلا عندما كان وزيرا و اليد اليمنى لرئيس الحكومة ، عجيب !!
أضف لذلك المسيرة التي أطلق عليها مسيرة “ولد زروال ” ، تلكم المسيرة المسخرة التي بقيت وصمة عار في جبين من كانوا خلفها و من جيشوا لها ، و التي أريد بها تسفيه عمل الحزب و التهجم عليه فأبى الله إلا أن يفضحهم و يرد كهم في نحورهم ، و غيرها من الأمور المشابهة كثير ….
و بالتالي كان هذا غيض من فيض ، و هذا كفيل بأن يدحض كل الإدعاءات حول شبهة التحالف مع المخزن ، أو الحزب قد استقطبت نخبته ، و إلا فالأمور أعمق بكثير من هذا ، و خصوصا عندما ننزل لمستوى التسيير المحلي للجماعات الترابية و المقاطعات ، حيث تجد وزارة الداخلية مرتعها لأن لديها اليد الطولى ، فتنزل بثقلها و كلكلها على المنتخبين عبر عمالها و وُلاتها من أجل بسط نفوذها أكثر و الحفاظ على هيبتها ، و لكم في جماعة طنجة عبرة يا أولي الألباب !! فهل من لبيب ؟؟ فهل يعقل أن تحارب الإدارة المخزنية من أصبح جزءا منها كما يدعي البعض ؟؟
في الأخير و بعد كل ما قيل نتساءل :
إذا كان حزب العدالة و التنمية حزب إداري و مخزني ، فلماذا كل هاته العراقيل يا سادة ؟؟
واذا كان حزب العدالة و التنمية حزب مخزني فلماذا يعزل رئيس الحكومة السابق ؟؟
وإن كان حزب العدالة و التنمية حزب مخزني و يقدم خدمات جليلة للمخزن ، فلماذا يحارب و يتتع ويتربص بقاداته ؟؟
إن كان حزب العدالة و التنمية يفيد الدولة و المخزن ، فلماذا قد تتخلى عليه هذه الدولة مادام يقدم لها الخدمات ؟؟