ارتفاع الأسعار بالمغرب: الأسباب والنتائج

بعد إعلانه التشرح للانتخابات التشريعية.. المراكشي: أراهن على الاستقامة والكفاءة

ليست المرة الأولى التي تشهد فيها أسعار المواد الغذائية، والاستهلاكية عموما، ارتفاعا بالمغرب. فالمغاربة عموما لهم تجارب مريرة مع الزيادات التي أقرتها مختلف الحكومات المتعاقبة على البلاد في هذا المجال، والبعض من هذه التجارب أفرزت لنا انتفاضات شعبية دموية. لكن ما يثير الدهشة والاستغراب هو أن أي من هذه الحكومات لم تبادر إلى حل المشكل من جذوره. إن مسألة الزيادة في الأسعار تثير مدى نجاح المغرب في تحقيق أمنه واكتفاءه الغذائي، ومدى وطنية واستقلالية اقتصاده، وهل يستجيب هذا الأخير للحاجيات الداخلية، ويشبعها.

في الأشهر الأخيرة، وحتى قبل الاجتياح الروسي لأوكرانيا تفاجأ المغاربة بزيادات متباينة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، شملت تقريبا كل شيء من القمح والذرة والأرز والفواكه إلى القهوة واللحوم الحمراء، الحليب ومشتقاته، وصولا إلى التجهيزات الالكترونية ومواد البناء والبطاريات، بل وحتى أواني المطبخ ومواد التنظيف. بعض هذه المواد شملتها الزيادات بطريقة أخرى وذلك عبر تخفيض وزن المنتج أو التقليص من جودته. 

وخلال شهر فبراير المنصرم بلغت أسعار المواد الغذائية في الأسواق العالمية أعلى ارتفاع لها خلال العشر سنوات الأخيرة، علما أن هذه الأسعار مقبلة على ارتفاعات أخرى في الأشهر القادمة، وهو ما يهدد المغرب، هذه السنة، وفي السنوات القادمة، بارتفاع غير مسبوق في معدل التضخم، وضغط كبير على القدرة الشرائية للأسر المغربية. والأكيد أن المغرب تنتظره سنة مالية، بل سنوات عويصة.

فما السر وراء هذه الزيادات؟ ولماذا نجد حتى الخضروات والفواكه التي تنتج بالمغرب بكميات وافرة أسعارها في ارتفاع تصاعدي؟ وما تداعيات ذلك على المستويين الاقتصادي والاجتماعي؟ وكيف سيؤثر ذلك على ارتفاع مستويات الفقر بالمغرب؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي توضيح نقطة مهمة، وهي أن غلاء الأسعار أخذ منحى تصادي منذ ثلاث سنوات، والحرب الروسية-الأوكرانية زادت الطينة بلة عبر تعميق جراح الاقتصاد العالمي، في وقت لم يتحرر بعد من قبضة كوفيد-19.

إن الارتفاع في أسعار المواد الغذائية على الصعيد الدولي مرده، في الأصل، إلى الأزمة التي يشهدها سوق الأسمدة والبذور الفلاحية، فقد شهدت أثمنتها ارتفاعا إلى مستويات غير مسبوقة في السنتين الأخيرتين. فقط خلال الفترة الفاصلة ما بين يونيو وأكتوبر 2021 تضاعفت أسعار الأسمدة ثلاث مرات. ونحن نعلم جيدا أن أسعار الأسمدة تؤثر في كل شيء له علاقة بالفلاحة من المحاصيل الزراعية مرورا بالعلف وإنتاج اللحوم الحمراء وصولا إلى مختلف الصناعات الغذائية التحويلية.

الطبيعي أن يشجع ارتفاع الأسعار الشركات المصعة للأسمدة على الزيادة في الإنتاج من أجل تحقيق مكاسب أكبر، لكن على أرض الواقع نجد العكس تماما. إن ارتفاع الأسعار أدى إلى انكماش في إنتاج الأسمدة، بعد أن عمدت كبريات الشركات العالمية العاملة في هذا المجال إلى التقليص من الإنتاج وتسريح الآلاف من العمال، وأقدمت على إغلاق العديد من مصانعها. هكذا على سبيل المثال، نجد العملاق الأسمدة الأمريكي CF industries قام بإغلاق معظم مصانعه في بريطانيا، نفس الخطوة أقدمت عليها الشركة الأسترالية Incitec Pivot Limited، بدورها الشركة الكيماوية الألمانية  BASFفقد قامت بإغلاق مصانعها في بلجيكا، وتخفيض انتاج مصانعها بألمانيا. السؤال البسيط والمركب الذي يتبادر إلى الأذهان الآن هو: لماذا هذا التوجه؟

ارتفاع أسعار الأسمدة أدى إلى انخفاض في الطلب عليه، نتيجة احجام الفلاح عن شرائه بنفس الكميات السابقة، بعد أن أصبح ثمنه أغلى من قيمة المحصول نفسه، فثمن الكيس الواحد من الأسمدة من فئة 50 كلغ قفز ثمنه في الأسواق الدولية من 20 دولار إلى 60 دولار. والنتيجة هي ارتفاع تكلفة العملية الزراعية، بعد أن أصبح الفلاح لا يحقق أية مكاسب منها، بل ولا يمكنه المحصول حتى من تغطية ثمن السماد الذي استعمل فيه.

إن ارتفاع تكلفة الانتاج أدى إلى التقليص في كمية المحاصيل الزراعية، وأيضا في حجمها، وبالتالي تقلص العرض على الصعيد الدولي، في وقت شهد فيه الطلب العالمي ارتفاعا. تراجع العرض وارتفاع الطلب أدى بأسعار المنتجات الفلاحية كالقمح والذرة والأرز والقطاني إلى القفز نحو مستويات قياسية.

وهنا يبدو المغرب غير معني بارتفاع أسعار الأسمدة على اعتبار كونه ثالث منتج للفوسفاط العالمي، وينام على 75% من الاحتياط العالمي من هذه المادة، واعتبارا أيضا لكونه من مصنعي الأسمدة. وهنا لا بد من الانتباه إلى أن هذه العملية معقدة، وليست بهذه البساطة التي تبدو عليها. كيف ذلك؟

انتاج جميع أصناف الأسمدة تحتاج لمادة الأمونيا، وهي مادة تحدث بالتفاعل بين النيتروجين والهيدروجين على درجة حرارة 500 دجة مئوية، و85% من هذه العملية تتطلب كميات كبيرة من الغاز أو كميات أكبر من الفحم، وبالتالي أية زيادة، ولو طفيفة، في أسعار الطاقة سينعكس على عملية الإنتاج؛ وبالأحرى إذا شهدت ارتفاعا مهولا.

حتى قبل نشوب الأزمة الأوكرانية، شهدت أسعار كل من الغاز ومن الفحم، ارتفاعا تصاعديا في الأسواق العالمية، إذ ارتفعت ما بين 500 و1000%، وهذا ما أدى إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الأمونيا، التي قفزت في ظرف تسعة أشهر، ما بين عامي 2021 و2022 من 110 دولار إلى 1000 دولار، أي أن الثمن تضاعف بتسعة مرات. وهذا ما يفسر لنا سبب ارتفاع ثمن الأسمدة المصنعة في المغرب، وبالتالي ارتفعت أسعار المحاصيل الزراعية.

وهنا يبدو أن المكتب الشريف للفوسفاط لم يكن محظوظا في اختيار توقيت إعطاء الانطلاقة لمصنعه الجديد لإنتاج الأسمدة بالجرف الصفر (طافة إنتاجية تصل إلى 4,1 مليون طن واستثمار بقيمة 547 مليون دولار)، إذ تناسب مع أسوأ ظرفية يمر فيها القطاع في تاريخه، في ظل تراجع الطلب الدولي عليه.

هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى الدولي فإن الارتفاع الصاروخي في أسعار الطاقة أثر بشكل سلبي على كبريات الدول المنتجة للأسمدة في العالم، وهم الاتحاد الأوربي، الذي يعتمد على الغاز في عملية الانتاج، والصين، أكبر منتج عالمي لهذه المادة، التي تعتمد على الفحم، فتقلص انتاج الأسمدة بشكل كبير. 

 أمام هذه الوضعية، أصبح كبار المزارعين في هذه الدول يستبدلون زراعة المحاصيل التي تستهلك كمية كبيرة من الأسمدة، مثل القمح والشعير والذرة وقصب السكر، بمحاصيل أخرى لا تحتاج سوى كميات قليلة من الأسمدة مثل البقوليات، وفي معظم الحالات إلى تقليص المساحات المزروعة. ففي فرنسا، قرر المزارعون هذه السنة تخفيض المساحات المزروعة للذرة ب 40%، نفس الأمر بالنسبة لزراعة الأرز بالفيتنام وزراعة البن والسكر بالبرازيل، إلخ. لأن زارعة هذه المحاصيل أصبحت لا تغطي تكلفة انتاجها.

النتيجة المنطقية هي تراجع في انتاج المحاصيل، ويتوقع هذه السنة أن يسجل انتاج المحاصيل الزراعية أدنى مستوياته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إن الخطير في الأمر هو أن 50% من الغذاء العالمي يعتمد على الأسمدة، وأن هذه الأخيرة لها تأثير على جميع الصناعات الغذائية المرتبطة بثاني أوكسيد الكربون، وبالتالي ارتفاع أسعار منتجات الصناعات الغذائية التحويلية بشكل تصاعدي يعد أمرا لا محيد عنه. وحسب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) فإن أسعار هذه المواد ارتفعت خلال الثلاثة أشهر الأولى من هذه السنة بنسبة 31%، ومقبلة على ارتفاعات أخرى في الأشهر القادمة.

وفعلا، هذه الوضعية مرشحة للتفاقم أكثر، فأسعار الأسمدة ستواصل ارتفاعها بسبب الأزمة الأوكرانية. فمنذ انطلاق الأزمة تضاعف سعر الغاز الطبيعي، وكذلك الفحم، بخمسة مرات. إضافة إلى هذه المسألة، نجد روسيا تصدر 23% من الأمونيا و17% من البوتاس، و14% من اليوريا، و10% من الفوسفاط؛ وهي المكونات الأساسية التي تدخل في صناعة الأسمدة، وغياب صادرات روسيا أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل صاروخي. في ظل هذه الوضعية يستحيل على الشركات أن تنتج الأسمدة بأثمنة في متناول المزارعين.

ارتفاع أسعار الطاقة أدى بدوره إلى ارتفاع في أسعار الكهرباء وفي تكلفة الشحن والنقل، وهو ما يعني ضمنا ارتفاعا في أسعار المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية.

ارتفاع الأسعار مرده أيضا إلى الاجتياح الروسي الذي أوقف صادرات أوكرانيا الفلاحية، والتي تمثل 16% من صادرات الذرة على المستوى العالمي و18% من صادرات الشعير و50% من زيت عباد الشمس، و18% من بذور اللفت؛ كما أن العقوبات المفروضة على روسيا أدى إلى تقليص صادراتها الزراعية. غياب صادرات روسيا وأوكرانيا الفلاحية ألهب أسعار القمح علىى الصعيد العالمي، غني عن التذكير أن روسيا وأوكرانيا يصدران ما مجموعه 29% من صادرات القمح العالمية؛ علما أنه وفقط خلال شهري فبراير ومارس من سنة 2014، أي خلال فترة أزمة القرم، ارتفع سعر القمح عالميا ب 75%. والآن في ظل الأزمة الحالية شهدت أسعار القمح خمسة زيادات متتالية في ظرف ثلاثة أشهر الأخيرة.

إن الوضعية العامة للاقتصاد العالمي لا تبشر بالخير، خاصة ما يعيشه العالم حاليا من تقلبات واستقطاب نتيجة الحرب الروسية-الأوكرانية، وعدم وجود حل لها في الأفق بعد أن دخلت شهرها الثاني. في ظل هذه الوضعية، تبقى مسألة الأمن الغذائي بالنسبة للدول مسألة حياة أو موت. هكذا نجد كبريات الدول الزراعية، كالصين وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والأرجنتين والبرازيل، عمدت إلى التقليص من صادراتها من الأسمدة ومن المنتجات الزراعية، ومن المواد الغذائية تحسبا للأسوأ، ومن أجل تغطية سوقها الداخلية والحفاظ على استقرار أثمان المنتجات، وحتى لا تخرج وأسعار الغذاء عن نطاق السيطرة، وبالتالي يفقد التحكم في معدل التضخم.

الخلاصة أن الاقتصاد العالمي يمر بأخطر أزمة في تاريخه، وقد دخل في أزمة ندرة غذاء وتغذية والمغرب يوجد في قلبها. لكن من هم أكبر المتضررين من هذه الوضعية؟

أكبر المتضررين هم الدول الذين يعتمدون على الاستيراد في تحقيق أمنهم الغذائي، والمغرب من بين هذه الدول.  

رغم المكتسبات التي حققها المغرب من خلال مخططه المسمى بـ “المغرب الأخضر”، إلا أنه عجز عن تحقيق أمنه الغذائي. لماذا؟

الفلاح الصغير، أو الفقير، ظل على العموم خارج نطاق اهتمامات “المخطط الأخضر”، فالتركيز انصب على كبار المستثمرين في المجال الفلاحي. والمغرب إن أراد تحقيق أمنه الغذائي فمن خلال بوابة الفلاح الصغير، المتمركز في أطراف المدن وفي القرى المحيطة بها، ورغم قلة انتاجه، إلا أنه يكمل في حالة وجود نقص في تزويد السوق الداخلي من طرف الفلاح الكبير، الذي يبقى تركيزه واهتمامه منصبا أكثر على التصدير، وهو ما يتضح بالملموس عند كل نقص في السوق الداخلية، إذ يفضل الاستمرار في تلبية الأسواق الخارجية على حساب حاجيات الأسواق الوطنية. إن الفلاح الصغير بإمكانه أن يلعب دورا محوريا في الحفاظ على استقرار الأسعار المنتجات الفلاحية.

المغرب فشل في تحقيق أمنه الغذائي لأن معظم الأراضي المزروعة، وأجودها، مخصصة للزراعة التسويقية الموجهة نحو التصدير. زراعة المغرب، قبل دخول المستعمر الفرنسي، ظلت موجهة لتأمين أمنه الغذائي، وفي حالة الجفاف، أو نقص في المحاصيل، كان يتم منع، بظهير سلطاني، تصدير القمح والشعير نحو الخارج. ومع دخول الاستعمار، عمدت فرنسا إلى منح الأراضي الزراعية إلى المعمرين الأجانب وإلى كبار القواد، مع الحرص على أن تكون المزروعات تلبي حاجيات السوق الفرنسية، ومعظمها تستنزف موارد مائية كبيرة. وإلى اليوم مازالت فرنسا تمثل الزبون الأول للمنتجات الفلاحية المغربية. وبعد خروج المعمر، جرى توزيع الأراضي على بعض الأسماء، وأخرج الفلاح الصغير من المعادلة. الفلاح الكبير يريد أن يظل الفلاح الصغير فقيرا. إن المجال الفلاحي له أيضا “أقليته” المتحكمة به.

المفارقة، أن الاعفاء الضريبي والدعم المقدم للقطاع الفلاحي تستفيد منه أكثر الأسواق الخارجية، وجزء ضئيل منه يذهب إلى الفلاح الصغير، وإلى المستهلك المغربي.

باختصار شديد، نقول، الفلاحة المغربية إلى اليوم، هي غير وطنية، ليس بمفهوم التخوين، وإنما بمعنى أن الموارد المائية والأسمدة وجل الأراضي الفلاحية مخصصة لزراعة منتجات فلاحية موجه نحو التصدير، ولا تستجيب لحاجيات السوق الداخلية فيي مواده الأساسية، مثل: القمح، الشعير، القطاني، إلخ. فإنتاج المغرب من هذه المواد لا يؤمن الاستهلاك الداخلي، ويكون المغرب مضطرا إلى الاستيراد. واليوم، وأمام الارتفاع الصاروخي للأسعار في الأسواق الدولية يدفع اقتصاد المغرب ثمنا باهظا. ما هي تداعيات ارتفاع أسعار المواد على الاقتصاد الوطني؟ 

إن اقتصاد المغرب جزء من الاقتصاد العالمي، وسلاسل انتاجه مرتبطة به. بمعنى أن قطع الغيار والمواد التي تدخل في عملية انتاج العديد من القطاعات الصناعية يتم استيرادها من الخارج. أولى هذه التداعيات تمس استقراره الطاقي نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد المحروقات، التي شهدت أسعارها ارتفاعا في السواق العالمية، بعد أن تجاوز سعر البرميل عتبة 100 دولار. ففي 6 مارس 2022 قفز سعر البرميل إلى 130 دولار؛ سعر الغاز بدوره ارتفع، وهو ما يعني ارتفاعا في صندوق المقاصة. بكل واقعية، إن استمرت أسعار الغاز في ارتفاع لن تتمكن الحكومة من مواصلة دعمها لغاز البوتان لسنة أخرى، وهو ما سيضر بمصالح القطاع الصناعي، وبالقد رة الشرائية للمواطن، الشيء الذي ينذر بسحابة من القلاقل الاجتماعية تتشكل في الأفق. 

سعر الفحم بدوره قفز إلى مستويات غير مسبوقة، فبعد أن كان في شهر ديسمبر 2021 لا يتعدى ثمنه 150 دولار للطن، قفز في شهر مارس 2022 إلى 365 دولار للطن. وهو ما يعني حتمية ارتفاع سعر انتاج الكهرباء، لأن المغرب يكاد يعتمد اعتمادا كليا عليه في انتاجه للكهرباء.

هذه المعطيات لها انعكاسات سلبية على مختلف القطاعات الإنتاجية، وستؤدي إلى ارتفاعات تصاعدية في أسعار جميع المواد المنتجة داخليا. إذا لدينا من جهة، منتجات مستوردة أسعارها ملتهبة، ومن جهة أخرى، منتجات مصنعة داخليا أسعارها سترتفع بدورها صعودا.

إن اعتماد المغرب في أمنه الغذائي على الاستيراد سيرفع من ميزان الواردات، في وقت شهد فيه ميزان الصادرات انكماشا للسنة الثالثة على التوالي بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19، وهو ما يستنزف، وسيستنزف، من احتياطي المغرب من العملة الصعبة؛ في وقت سيواصل الميزان التجاري تسجيل عجزه، لكن بمستويات أعلى. إن تراجع الصادرات يقابله تراجع في مداخيل السياحة، التي تعيش أزمة خانقة؛ وهو ما يجعل من الصعب على الحكومة أن تحافظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية نتيجة عامل التضخم وتدهور القدرة الشرائية للدرهم المغربي.

 ما هي النتائج المتربة على هذه الوضعية؟ معطيات كثيرة تتغير… انكماش سوق الشغل، وارتفاع في معدل البطالة، تقلص في الاستثمار العمومي، حتمية انزلاق شريحة واسعة من المجتمع المغربي نحو الفقر، إلخ. وعلى العموم، فإن المعطيات التي أعلن عنها والي بنك المغرب أعادت إلى الأذهان فترة خضوع المغرب لبرنامج التقويم الهيكلي. ما هو الحل أو الحلول التي في يد الحكومة لحلحلة الوضعية المتأزمة؟

جميع الحلول تتطلب من الحكومة الحالية أمرين إثنين: الإرادة السياسية والشجاعة الأدبية للمضي قدما في إصلاحات جوهرية لنظامنا الضريبي ولاقتصادنا الوطني ولأمننا الغذائي. إن المدخل الرئيسي لحل أبرز المشاكل التي يتخبط فيها المغرب هو العدالة الضريبية. وهي مسألة رفضت جميع الحكومات المتعاقبة أن تطرق بابه، نظرا للفيتو الذي ترفعه الأقلية المتحكمة بالمغرب. ولهذا قلنا بضرورة توفر الحكومة على الإرادة السياسية والشجاعة الأدبية. 

أمام هذه الأزمة الخانقة ليس بيد الحكومة سوى أن تنهج سياسة تقشفية، بالتقليص الانفاق العمومي، وترشيده، والاقتصار على النفقات الضرورية. تتباين الحلول المقترحة في هذا الإطار، وتختلف، على سبيل المثال: من تقليص الأجور والتعويضات الخاصة بالوزراء والبرلمانيين والموظفين الساميين، ووصولا إلى بقية موظفي الإدارات العمومية، ومن تجميد الترقيات إلى التخفيض من فاتورة ترشيد نفقات بنزين السيارات الوظيفية، إلخ. وهنا لا ينبغي أن يقع العبء الأكبر على الطرف الضعيف، وإنما على الجميع أن يتجمل مسؤوليته: حكومة ونقابات ومقاولات ومواطنين.

على المدى المتوسط، ينبغي إعادة النظر في السياسات العمومية المتعلقة بالصناعة وبالزراعة، فلا بد من أن تكون تنافسية ومتوازنة، تستجيب لحاجيات السوق الداخلي، وفي نفس الوقت لها القدرة التنافسية في الأسواق الدولية.

كنا نقول إن حكومة السيد سعد الدين العثماني غير محظوظة لأنها تزامنت مع فترة الجائحة، لكن يتضح لنا أن حكومة السيد عزيز أخنوش حظها أسوء من حظ الحكومة التي سبقتها. ستختار هذه الحكومة أسهل الحلول وأعقدها في نفس الوقت. ستطرق أبواب الاقتراض، لأن قانون مالية تعديلي قد يقدم بعض الحلول الآنية، لكنه لن يحل الأزمة. نتوقع أن الحكومة في أمس الحاجة من مليار دولار ونصف إلى مليارين لخروج بأقل الخسائر خلال هذه السنة المالية، نظرا لكونها لم تأخذ في الحسبان أثناء إعداد قانون المالية الحرب الروسية-الأوكرانية وتداعياتها على الاقتصاد الوطني، رغم أن العديد من الدراسات، صدرت نهاية السنة الفارطة، توقعت حدوث هذه الحرب؛ الأمر الذي يضعنا أمام مسألة نجاعة مخابراتنا الاقتصادية من عدمها، إن وجدت فعلا.

 هل باستطاعة الحكومة أن توقف موجة الارتفاع الصاروخي في الأسعار؟ الجواب هو لا، لأنها لا يملك مفاتيح الصناعة في البلاد، ولا زراعته ولا سياحته. المفاتيح سلمت للأجنبي. إنها في يده! 

هناك بعض الحلول التي لجأت إليها بعض الدول للتخفيف على المواطنين من أعباء ارتفاع الأسعار، كالتقليص من الضريبة على القيمة المضافة. هذا الحل لن يكون له أي تأثير في المغرب، ولن يشعر المواطن بأي فرق، لأن المغرب يعتمد على الاستيراد في تأمين العديد من المواد الأساسية والضرورية.

سؤال آخر: هل سيستطيع المغرب الصمود في وجه الإعصار إذا طالت فترة الحرب الروسية-الأوكرانية؟ الاقتصاد العالمي لن يتمكن من الصمود، فبالأحرى اقتصاد المغرب الناشئ. ليس أمام المجتمع المغربي سوى أن يتضامن ويتآزر مع بعضه البعض، كما كان يفعل المغاربة دائما على مر تاريخ البلاد المجيد. ما يعيشه المغرب اليوم لا يقل خطورة عن الغزو الأجنبي.

 

شارك المقال