المراكشي يكتب: هل تنجح الحكومة في رفع الدعم عن السكر رغم ضغط الشركات وغضب المواطن

إبراهيم المراكشي: أستاذ جامعي بكلية الحقوق بطنجة

يعتبر المغرب من أوائل الدول التي خبرت صناعة قصب السكر، وذلك منذ عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي (القرن 14 الميلادي)، الذي قام بإنشاء مصنعين بمنطقة الشاوية. وبالتالي فللمغاربة علاقة ضاربة في الجذور مع السكر.

المغربي تربطه بمادة السكر علاقة وجدانية عاطفية، وصلت حد المديح والتغزل، إذ أصبح مضرب الأمثال، ف “اللسان الحلو يفك مولاه” و”على وجه السُّكَّر كيدوز التبن هدية”، وغيرها من الأمثال الشعبية؛ بل كرموا السكر وصنعوا منه “قالب” يتم إهداؤه في المناسبات السعيدة (الأعراس)، كما في المناسبات الحزينة (مآتم).

إن أردت معاقبة مغربي احرمه من تناول السكر والشاي الأخضر. وتصوري أنه في حالة ما إذا أقدمت الحكومة على ذلك، ستندلع انتفاضة السكر شبيهة بانتفاضة الخبز. الحكومة تدرك جيدا أن الشاي الأخضر، واستهلاكه يصبح بلا قيمة عند المغربي بدون السكر، وأن الشاي الشديد الحلاوة يلعب دورا مهما في تلطيف صفو ومزاج مواطنيها، والحكومة لا تريد تعكير ذلك.

المغربي حطم جميع الأرقام القياسية الممكنة المتعلقة باستهلاك مادة السكر. فمعدل الاستهلاك اليومي الموصى به من لدن منظمة الصحة العالمية هو ما بين 30 و40 غرام في اليوم، في حين يستهلك المواطن المغربي يوميا 100 غرام، وهو ما يعادل 35 كيلوغرام في السنة! 75٪ يستهلك بشكل مباشر و25٪ عبر المنتجات المصنعة.

إن ارتفاع نسبة المغاربة المصابين بالأمراض المزمنة (السكري، انتفاخ القلب وتصلب الشرايين، القصور الكلوي، إلخ) سببه الرئيسي يعود إلى هذا المعطى، وهو الأمر الذي يكلف المغرب خسارة سنوية تعادل 5٪ من الناتج الوطني الخام. فماذا عن استهلاك السكر من طرف الصناعات الغذائية؟

إذا كان استهلاك المواطن المغربي من مادة السكر قد تجاوز الحد المعقول، فاستهلاك الشركات أضخم، إذ تمتص الصناعات الغذائية فقط، دون التحويلية، 300 ألف طن من السكر سنويا. وبعض هذه الشركات تستهلك يوميا المئات من الأطنان من مادة السكر المدعم من طرف الدولة بأموال عمومية، والمدهش والغريب في الأمر أن الجزء الأكبر من هذا العبئ يخرج من جيب المواطن مباشرة. وهذا شكل من أشكال التبذير في الإنفاق العمومي، والذي ينبغي وضع حد له.

نشير إلى أن متوسط الدعم الحكومي المخصص لمادة السكر بلغ 3,4 مليار درهم على امتداد الخمس سنوات الماضية؛ وبالتالي فمن شأن رفع الدعم من هذه المادة أن يوفر على خزينة الدولة مبالغ معتبرة. لا ننسى أن، تقريبا، 50٪ من المواد التي تدخل في تركيبة صناعة السكر يتم استيرادها من البرازيل. كما أن هذه الخطوة تصب في مصلحة المواطن المغربي وصحته. لكن ما سبب تردد الحكومات المتعاقبة مترددة في رفع الدعم عن مادة السكر؟

القرار قبل اتخاذه ينبغي أن يدرس جميع جوانبه وعواقبه ونتائجه على الاقتصاد الوطني، إذ يهدد المصالح الاقتصادية للشركات العاملة في الصناعات الغذائية والتحويلية، وكذلك تلك المرتبطة بالأدوية، وسيؤدي إلى الزيادة في تكلفة الانتاج. نحن نتحدث عن مادة حيوية تدخل في تركيبة تصنيع ما لا يقل عن 500 منتج.

الحكومة مترددة في تحرير السكر خوفا من ردة فعل المواطن المغربي، ولكن أيضا من ردة فعل بعض الشركات، فقد سبق وأن هددت احدى شركات المشروبات الغازية بالخروج من المغرب، والاتجاه صوب تركيا، في حالة الرفع من ثمن السكر. نحن نتحدث عن أرقام معاملاتهم ضخمة وتهديد الآلاف من مناصب الشغل بالتسريح. فشركة عالمية واحدة للمشروبات الغازية تشغل 38 ألف عامل. وهنا يكمن مربط الفرس الذي تعجز الحكومة عن التحكم به، وفكرة اعتماد تضريب تدريجي على المنتجات حسب نسبة السكر المضافة إلى المحتوى ماتزال تراوح مكانها، وتصادف عدة عراقيل تعيق تنزيلها. الحكومة ليست عاجزة، ولكنها تفتقد إلى الشجاعة لحل الملف.

شارك المقال