القائمة

حزب العدالة والتنمية…  من “المعارضة الهادئة” إلى حدود معارضة عبد الله بووانو

بقلم
هند سحنوني
نُشر: 26 نوفمبر 2025 الساعة 7:09 مساءً

حزب العدالة والتنمية…  من “المعارضة الهادئة” إلى حدود معارضة عبد الله بووانو

 

عبد المولى المروري

* ملاحظة: هذا المقال كتبته قبل يومين من الندوة الصحفية التي نظمها الحزب هذا اليوم.

1. مقدمة

منذ خروج حزب العدالة والتنمية من الحكومة سنة 2021، دخل مكرها مرحلة جديدة من تاريخه السياسي: مرحلة معارضة ما بعد «الحكم».

لكنها ليست المعارضة المنتظرة من حزب قاد الحكومة لعشر سنوات، ولا المعارضة التي تزعج الدولة العميقة أو تخلخل منظومة الفساد الراسخة؛ بل تحوّلت إلى ما يمكن تسميته بـ “المعارضة الهادئة” (وهذا هو الوصف الذي أعطاه لها الأمين العام للحزب)، لكنها معارضة خافتة، بلا مشروع واضح، وبدون امتداد شعبي، وبعيدة عن ملامسة جوهر القوة السياسية في المغرب… كيف ذلك؟

فرغم الجهد البارز والمتميز الذي يقوم به الدكتور عبد الله بووانو رئيس المجموعة البرلمانية داخل البرلمان، فإن هذا الجهد يظل للأسف الشديد محصورًا داخل سقف معيّن، ولا يخرج إلى مستوى المعارضة التي يجب أن تكون موجهة إلى البنية التي تُنتج الفساد وتحميه، لأن البنية التي تُنتج هذا النوع من الفساد هي أقوى من أية معارضة سياسية داخل البرلمان أو خارجه.. ولذلك مهما كان البرلماني قوياً، سيبقى مجرد صوت داخل قاعة صُمّمت أصلاً لاحتواء المعارضة لا لتمكينها.

 

2. منطق “المعارضة الهادئة”: حزب بلا صدمة وبلا استراتيجية

بعد الهزيمة الانتخابية، كان منتظرًا أن يدخل الحزب مرحلة مراجعة فكرية وسياسية، وأن يبني شرعية جديدة للمعارضة، لكن الذي وقع هو العكس تمامًا:

أولاً: معارضة بلا نفس سياسي

حيث تحوّل الحزب إلى ممارسة ردود فعل موسمية، وتصريحات متناثرة، وبيانات أخلاقية، ودفاعات نفسية أكثر مما هي مواقف سياسية متقدمة.. ولم يعد الحزب يشتغل وفق رؤية إصلاحية، بل وفق منطق النجاة التنظيمية: “ألا نُغضب أحداً داخل «المشور السعيد» وكل التابعين له”، ولا مانع أن بأن نهاجم من هم خارجه من حكومة أخنوش دون المساس بوزارة الداخلية أولا ووزارة الأوقاف ث

ثانيًا: الحزب يخاف من الاصطدام مع السلطة

المعارضة تحتاج إلى خطاب قوي، وجرأة سياسية، وأدوات ضغط، وامتداد شعبي.. لكن العدالة والتنمية اختار طريقًا آخر، معارضة هادئة، خافتة، لا تتجاوز السقف المرسوم، وهو ما عبرت عنها سابقًا بـ: “معارضة تحافظ على الحزب… لكنها لا تحمي الوطن.” ولقد سبق لي في إبانه أن كتبت العديد من المقالات التي تعالج هذه القضية..

3. المعارضة التي تلامس الأشخاص وتتجنب البنية

من بين أكبر إشكالات الحزب أن معارضته صارت تقف عند حدود الأشخاص، وزير أخطأ، قرار سيئ، صفقة مشبوهة… لكن جوهر الفساد لا يكمن في الأشخاص، بل في البنية التي تصنع الفساد وتعيد إنتاجه والمتمثل في الأوليغارشية الاقتصادية، وبناء السلطة على شبكة مصالح، غياب ميزان المحاسبة، وهيمنة الدولة العميقة، واحتكار الثروة، والتحكم في الإعلام في طرف جهات أمنية أو تابعة للسلطة، وبنية سياسية تمنع التغيير…

وما دامت المعارضة لا تلامس هذه البنية، فستظل مجرد معارضة تسجيل موقف ولا تصنع تأثيرا حقيقيا أو حدثا متميزا قد يغير اتجاها ما في مسار العمل السياسي المغربي.

4. بووانو… الصوت العالي داخل المعارضة الهادئة

لا شك أن الدكتور عبد الله بووانو يشكل (تقريبا) الاستثناء داخل الحزب، فقد عمل على فضح لوبي المحروقات، وكشف تضارب المصالح المشبوهة داخل حكومة أخنوش، وتناول صفقات الأدوية بأسلوب قوي وشجاع ومدعوم بكافة الحجج والأدلة التي تدين أصحابها قانونيا وسياسيا، وفضح شبهات تدبيرية مرتبطة بعدة وزراء، ومساءلة دعم أضحية العيد، ووتتبع أعطاب المنظومة التشريعية، والحديث عن تضخم الريع الحكومي، وغير ذلك من المواقف والتصريحات والنضالات السياسية التي طغت على المشهد السياسي وحركت الإعلام والرأي العام المغربي.. وبرز فيها الدكتور كرجل مواقف شجاعة وكاريزما قيادية يتقن فن الخطابة والإقناع..

فإذا كان بووانو يشتغل بمنطق المحاسبة المحترفة، ويملك أدوات تحليل قوية، وقدرة على الربط بين الأرقام والحقائق.. فإنه رغم ذلك يبقى عمله محدودًا لأسباب بنيوية لا علاقة لها بشخصه ولا بنضاله المتميز، لأنه (أولا) يعمل داخل برلمان بلا قوة فعلية، فالبرلمان المغربي، بحكم هندسته السياسية، يفتقد للآليات الدستورية الحقيقية للمحاسبة، وبالتالي أي معارضة —ولو كانت قوية— ستظل صوتًا بلا تأثير.

و(ثانيا) لأنه بلا دعم حزبي حقيقي وقوي، فبووانو يتحرك – تقريبا – بشكل فردي، داخل حزب أصبح يعاني من ضعف تنظيمي، وانقسام نفسي، وفقدان الثقة، وانكماش قيادي، وأزمة شرعية بعد 2021 (، هذه الشرعية التي يحاول جاهد الأمين العام استرجاعها سريعا من خلال جولاته التنظيمية وخرجاته الإعلامية.. ولا أنكر أن هذا العمل أدخل نوعا من التعافي في بدن الحزب المنهك..

و(ثالثا) لأنه (بووانو) يلامس قضايا الفساد… دون أن يربطها ببنية الفساد العميقة والحقيقية، فرغم أن بووانو يفضح الملفات، لكنه يظل محددًا بالسقف السياسي الذي وضعه الحزب لنفسه قبل أن تفرضه عليه الدولة..

لذلك، عبد الله بووانو وإلى حدود الساعة لا يدخل إلى مواضيع من قبيل من يصنع الاحتكار؟ ولا من يحمي اللوبيات؟ ولا كيف ومن يعاد إنتاج الريع؟ ولا يوضح ما علاقة السلطة أو الحكم بالثروة؟ وما دور الدولة العميقة في كل هذا؟

وهذه الأسئلة لا أريد أن أحرج بها الدكتور عبد الله بووانو التي تربطني به علاقة تتجاوز 35 سنة، بل إن هذه الأسئلة هي جوهر التحليل البنيوي الذي يفتقده العمل النيابي الذي يقوم به الدكتور عبد الله بووانو، دون أن ينتقص منه بطبيعة الحال ومن مجهوده الكبير..

 

5. لماذا لم تُحقق المعارضة شيئًا منذ فضيحة المحروقات؟

رغم مرور سنوات على فضيحة الزيادة غير القانونية في ثمن المحروقات، ورغم التقارير والوثائق والمعطيات، لم يتغير شيء، لماذا؟

لأن الفساد ليس حوادث مرتبطة بأشخاص، بل هو نظام مصالح معقد متجذر في بنية الدولة العميقة.. ولأن المعارضة—حتى عندما تكون جريئة—لا تقترب من هذه البنية المنتجة له والراعية على مصالح أفراده، وهنا تأتي الفكرة المركزية في هذا المقال: « المعارضة الحالية تهاجم الأشخاص فقط، ولا تقوى على مهاجمة البنية»، وبذلك فهي معارضة محكومة بالضعف والفشل منذ لحظة ولادتها.

6. العدالة والتنمية في مفترق طريق: حزب يعارض بحدود اللعبة نفسها

الحزب الذي يريد أن يعارض داخل المغرب يحتاج إلى قرار جوهري، هل سيعارض “بالقواعد” التي رسمها النظام؟ أم سيعارض البنية نفسها؟

حتى الآن، الحزب اختار الطريق الأول، المعارضة داخل اللعبة، وليس على اللعبة، وهذا نقاش أنهاه الأمين العام منذ مدة، ووضع سقفا منخفضا جدا للمعارضة، معارضة بوصلتها نحو جزء من الحكومة، وليس الحكومة كلها، أما معارضة الدولة فذلك أمر مستحيل في ظل القيادة الحالية، وهذا يجعل معارضته محدودة مهما كانت قوة الملفات التي يفضحها بووانو.

7. خاتمة: بووانو ليس المشكلة… المشكلة هي السقف السياسي للحزب نفسه

بووانو يُحيي ما بقي من رمق داخل المعارضة البرلمانية، لكن الحزب نفسه يعيش أزمة رؤية، أزمة جرأة، أزمة شرعية، أزمة فقدان الشعبية، وأزمة موقع داخل النظام السياسي.. ومادامت المعارضة “هادئة”، ومادامت لا تقارب المنظومة بل تقتصر على بعض الأفراد من الحكومة، ومادامت لا توجه خطابًا للدولة بل للبرلمان فقط، فسيظل عمل بووانو—رغم قيمته الكبيرة—محدود الأثر، لا يغير بنية الفساد، ولا يخلخل منظومة الأوليغارشية.

مونتريال 26 نونبر 2025

شارك المقال

مقالات ذات صلة

كُتّاب وآراء

مسؤولية السيمو والعمالة في نكبة القصر الكبير

مسؤولية السيمو والعمالة في نكبة القصر الكبير عمر صبار المركز المغربي للدراسات والعلوم الاجتماعية في الأيام الأخيرة، تحول وادي اللوكوس ومدينة القصر الكبير إلى مشهد كارثي كشف، بوضوح مؤلم، هشاشة...

كُتّاب وآراء

ما بين يسار الصراع المتجدد ويسار التبرير..نقد أطروحة عبد الصمد بلكبير 

ما بين يسار الصراع المتجدد ويسار التبرير..نقد أطروحة عبد الصمد بلكبير بقلم:العلمي الحروني/منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد ++++ تقدم أطروحة عبد الصمد بلكبير، كما عبّر...