عبد الجليل البكوري يكتب..الأغاني الخادشة للحياء بمدينة طنجة: استقالة أسرة أم مؤشِّرٌ علىٰ أخلاقيات الجيل الصاعد؟
في مشهدٍ صادمٍ يدعو إلىٰ التَّأمل والحسرة، انتشر مؤخَّرًا مقطعٌ مصوَّرٌ لأطفالٍ بمدينة طنجة، يردِّدون يوم العيد أغانٍ تنضح بألفاظٍ مشينةٍ خادشةٍ للحياء، دون وعيٍ بمعانيها أو إدراكٍ لخطورتها التَّربوية. وما يُؤلم في هذا المشهد أنَّه لا يُمثِّل سلوكًا فرديًا، بل يُعبِّر عن خللٍ أعمق في البناء القيَميِّ لجيلٍ جديدٍ، لا زال في إقبالٍ علىٰ الحياة فيُفترض فيه نقاء البدايات الطَّاهرة.
فهل نحن أمام مؤشِّرٍ علىٰ أزمةٍ أخلاقيَّة تُنذِر بانهيار منظومة القيم لدىٰ النَّاشئة؟ أم أنَّ ما نراه هو صدًىٰ لفجوة تربويَّةٍ غفلنا عن سدّها، حتَّىٰ تغوَّلت الفوضىٰ القيَمية داخل محاضن التَّربية الأولىٰ؟
أيُّها السَّادة؛ إنَّ الطِّفل لا يُولد فاسدَ الذَّوق، ولا فاحشَ اللِّسان، إنما يُولد صفحةً بيضاء، نفيًّا نقاءَ الفطرة التي فطر اللَّٰه النَّاس عليها، ولكنَّ الأسرة تُخطّ عليها ما تريد أن تخطَّ، وكذلك مؤسَّسات التَّنشئة، والشَّارع، والمنصات وما تحمله من خطابٍ وصورةٍ وصوت…
فإذا سكت الضَّمير التَّربويُّ، وتوارىٰ المربّون الحقيقيُّون؛ برزت الأغنية السُّوقيَّة، والمشهد السَّاقط، والقدوة المشوَّهة، لترسم للطِّفل ملامح انتماء مشبوهٍ.
فأيُّ ضمير تربويٍّ يُسوّغ أن يصدح طفلٌ بكلماتٍ يخجل الرَّاشد أن ينطق بها؟ وأيُّ عيدٍ ذاك الذي يُلوَّث طُهره بأغانٍ لا تليق لا بمقام الطُّفولة، ولا بجمال المناسبة، ولا بمقام ربِّ العالمين؟ فمالكم لا ترجون لله وقارًا؟
اعلموا أنَّه لا إدانة للطِّفل هٰهنا، بل الإدانةُ تتَّجه مباشرةً لصمتنا أمام ما يُغذِّيه بهذه اللَّوثات، ولتقصيرنا في مراقبة ما يتلقاه أطفالنا، الطفل أيُّها السَّادة لا يختار الأغنية، بل يُردد ما يُقدَّم له، ويحاكي ما يُعجِب الكبار حوله، أو ما ترفعه “الترندات” إلىٰ قمَّة الإعجاب الشَّعبي.
فهل نحن مجتمعًا وأسرةً ومؤسساتٍ تعليميَّة في موقع الاضطلاع بواجبنا التَّربويِّ؟ أم أنَّنا نسير في طريق “الاستقالة التربوية” بصمتٍ مُريبٍ ومكشوف، نُسلِّم فيه الذَّوق والقيم لثقافة دخيلةٍ مبتذلة؟
القيم لا تُلقَّن بالكلمات، بل تُزرَع بالسُّلوك، وتُغذّىٰ بالقدوة، وتُصان بالوعي. وإنَّ من واجبنا أن نُعيد الرُّوح إلىٰ تربية تستشعر رسالتها، وتنهض لحماية الطُّفولة من سوق التَّفاهة، ومن خطابٍ يُزيّن القبح ويُطفئ نور الفطرة.
ولذلك؛ فإن التربية علىٰ القيم مهما كتبنا فيها نحن أهل الاختصاص، وحاضرنا عنها، لا نستطيع بهذا وحده أن نصلح شيئًا ممَّا نراه ونسمعه كل يوم، نحن بحاجةٍ إليكم آباءً وأمَّهاتٍ وأسرًا وإعلامًا ومجتمعًا ومدرسةً وقضاءً وهيئات مجتمعٍ مدنيٍِّ لتوفِّروا بيئةً تستوعب المشاريع والرؤىٰ التربويَّة القيميَّة، وبحاجةٍ منكم إلىٰ سلوك يحتذي به الأطفال، وبحاجة من أهل الفن والتأثير إلىٰ مضامين نوعيَّة رافعة للقيم، وإلىٰ ردعٍ قانونيٍّ يرسم حدود الحرية ويحفظها ويصونها.
أخيرًا ما حدث ليس مجرد حادثٍ عابر، بل صفعةٌ لأعينٍ تغافلت، وضمائر تراخت، إنَّه جرس إنذار، فإمَّا أن نستيقظ ونُربّي، أو نترك للشارع أن يُربِّي أبناءنا بطريقته.
بقلم: د، عبد الجليل البكوري
شارك المقال
مقالات ذات صلة
مسؤولية السيمو والعمالة في نكبة القصر الكبير
مسؤولية السيمو والعمالة في نكبة القصر الكبير عمر صبار المركز المغربي للدراسات والعلوم الاجتماعية في الأيام الأخيرة، تحول وادي اللوكوس ومدينة القصر الكبير إلى مشهد كارثي كشف، بوضوح مؤلم، هشاشة...
مشروع القانون رقم 66.23..حين تتحول المحاماة من سلطة دفاع إلى وظيفة خاضعة
مشروع القانون رقم 66.23..حين تتحول المحاماة من سلطة دفاع إلى وظيفة خاضعة لا يمكن اختزال مشروع القانون رقم 66.23 في كونه نصًا تنظيميًا أو مجرد تحديث تقني لمهنة عريقة. فنحن...
ما بين يسار الصراع المتجدد ويسار التبرير..نقد أطروحة عبد الصمد بلكبير
ما بين يسار الصراع المتجدد ويسار التبرير..نقد أطروحة عبد الصمد بلكبير بقلم:العلمي الحروني/منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد ++++ تقدم أطروحة عبد الصمد بلكبير، كما عبّر...
