مسؤولية السيمو والعمالة في نكبة القصر الكبير
مسؤولية السيمو والعمالة في نكبة القصر الكبير
عمر صبار
المركز المغربي للدراسات والعلوم الاجتماعية
في الأيام الأخيرة، تحول وادي اللوكوس ومدينة القصر الكبير إلى مشهد كارثي كشف، بوضوح مؤلم، هشاشة تدبير المخاطر على المستويين المحلي والإقليمي. لم تكن الفيضانات وحدها سبب المأساة، بل تراكم قرارات إدارية واختيارات سياسية هيأت شروط الكارثة وحولت خطرا طبيعيا متوقعا إلى نكبة إنسانية واجتماعية. وما حدث يفرض نقاشا صريحا حول المسؤوليات، بعيدا عن منطق التبرير والإنكار.
أول مظاهر التقصير تتحمله جماعة القصر الكبير من حيث مسؤوليتها الإدارية والسياسية المباشرة. فقد ساد لسنوات، تساهل واضح في منح تراخيص البناء داخل مجالات فيضية معروفة، رغم التحذيرات المتكررة من خطورة التوسع العمراني في المناطق المنخفضة. هذا الاختيار جعل آلاف المواطنين يعيشون عمليا داخل مجاري محتملة للمياه، ليصبحوا أول الضحايا عند كل ارتفاع منسوب أو تساقطات استثنائية.
ويتجلى التقصير الجماعي أيضا في ضعف البنية التحتية لتصريف مياه الأمطار. فشبكات الصرف لم تُحدث بالشكل اللازم، والصيانة الدورية ظلت غائبة أو موسمية، دون جداول واضحة أو موارد كافية. والنتيجة مدينة عاجزة عن استيعاب كميات من الأمطار كان يمكن احتواؤها لو توفرت رؤية تقنية واستثمار وقائي مستمر.
أما على مستوى توجيه الميزانية، فإن المعطيات المتاحة تظهر اختلالا واضحا في ترتيب الأولويات. فرغم وجود ميزانية جماعية مهمة، لا تبدو الوقاية من الفيضانات ضمن أولويات الإنفاق الرأسمالي. فقد شهدت بعض فصول التجهيز تقليصا أو إعادة برمجة، في وقت كان يفترض فيه توجيه الموارد إلى مشاريع احتجاز المياه، توسيع قنوات الصرف، وإنشاء أحواض وقائية. وهو ما يعكس اختيارات سياسية قصيرة النظر، دفعت المدينة ثمنها باهظا.
ويضاف إلى ذلك قصور خطير في آليات التواصل والإنذار المحلي. فالإخلاء تم، نعم، لكن بعد بلوغ الخطر مستويات حرجة. غياب نظام إنذار مبكر، رقمي أو ميداني، وغياب تدريبات دورية على الإخلاء، وضع الساكنة دائما في موقع رد الفعل بدل الاستعداد المسبق.
كما يكشف الواقع عن غياب استراتيجية لإعادة توطين الأسر الأكثر عرضة للخطر. فلا توجد رؤية متوسطة أو بعيدة المدى لمعالجة الإشكال من جذوره، ما يجعل الفئات الهشة تعيش في حلقة مفرغة من الخسائر وإعادة البناء، دون أفق حقيقي للأمان.
في المقابل، تتحمل عمالة العرائش نصيبها من المسؤولية بحكم دورها الإقليمي والتنسيقي. فقد أبانت الأزمة عن ضعف في التنسيق المسبق بين المصالح الإقليمية، وكالة الحوض المائي، والجماعات الترابية. إن تدبير تفريغ السدود وتصريف المياه يفترض بروتوكولات دقيقة للإشعار المسبق والتدرج في القرارات، وهو ما لم يكن بالنجاعة المطلوبة، ما ساهم في ذروة تدفق مفاجئة أربكت المدينة وسكانها.
ويلاحظ كذلك اعتماد العمالة على منطق التدخل بعد وقوع الخطر بدل الاستثمار في المقاربة الوقائية. فقد جاءت تعبئة مراكز الإيواء والتدخلات الميدانية بعد ارتفاع المنسوب، في حين ظل الاستثمار الإقليمي في تنظيف الروافد، إنشاء أحواض احتواء، وتعزيز البنيات الوقائية دون المستوى المطلوب.
كما برز ضعف الإنذار الموحد وتدبير المعلومة، فرغم وجود لجان يقظة، لم يكن تدفق المعلومات سلساً أو منسقاً بما يكفي لإطلاق عمليات إخلاء مبكرة وشاملة. وهذا خلل إداري وتقني له ثمنه البشري والاجتماعي.
وفي العمق، تكشف هذه النكبة أثر الاختيارات الميزانية على حجم الأضرار. فوجود ميزانية إجمالية لا يعني شيئا إن لم توجه الموارد إلى البنى التحتية المائية والوقائية. إن تأجيل أو إلغاء مشاريع بنيوية بسبب إعادة برمجة الاعتمادات ساهم مباشرة في تعميق الخسائر، ويجعل مساءلة طرق صرف المال العام ضرورة ديمقراطية لا مفر منها.
القصر الكبير لم تكن ضحية الطقس وحده، بل ضحية منظومة قرارات جعلت الخطر الطبيعي يتحول إلى نكبة. وعلى “السيمو” وعلى عمالة العرائش أن يقدما، أمام المواطن والرأي العام، إجابات واضحة: لماذا لم تعطى الأولوية للوقاية؟ لماذا جرى التراجع عن فصول تجهيز حيوية؟
المساءلة هنا ليست انتقاما سياسيا، بل مطلبا مشروعا للحماية والكرامة. أما الصمت أو التضليل، فلن يعني سوى استمرار منطق التدبير بالأزمات، وتكرار النكبة بصيغ أخرى، في كل موسم مطري قادم.
شارك المقال
مقالات ذات صلة
مشروع القانون رقم 66.23..حين تتحول المحاماة من سلطة دفاع إلى وظيفة خاضعة
مشروع القانون رقم 66.23..حين تتحول المحاماة من سلطة دفاع إلى وظيفة خاضعة لا يمكن اختزال مشروع القانون رقم 66.23 في كونه نصًا تنظيميًا أو مجرد تحديث تقني لمهنة عريقة. فنحن...
ما بين يسار الصراع المتجدد ويسار التبرير..نقد أطروحة عبد الصمد بلكبير
ما بين يسار الصراع المتجدد ويسار التبرير..نقد أطروحة عبد الصمد بلكبير بقلم:العلمي الحروني/منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد ++++ تقدم أطروحة عبد الصمد بلكبير، كما عبّر...
حزب العدالة والتنمية… من “المعارضة الهادئة” إلى حدود معارضة عبد الله بووانو
حزب العدالة والتنمية… من “المعارضة الهادئة” إلى حدود معارضة عبد الله بووانو عبد المولى المروري * ملاحظة: هذا المقال كتبته قبل يومين من الندوة الصحفية التي نظمها الحزب هذا...
