مشروع القانون رقم 66.23..حين تتحول المحاماة من سلطة دفاع إلى وظيفة خاضعة
مشروع القانون رقم 66.23..حين تتحول المحاماة من سلطة دفاع إلى وظيفة خاضعة
لا يمكن اختزال مشروع القانون رقم 66.23 في كونه نصًا تنظيميًا أو مجرد تحديث تقني لمهنة عريقة. فنحن أمام اختيار تشريعي يراد به إعادة رسم ملامح المحاماة داخل بنية الدولة، وتحديد الدور الذي يُسمح لها بلعبه في معادلة العدالة. ومن ثمّ، فالمسألة لا تتعلق بتفاصيل إجرائية معزولة، بل بجوهر المهنة نفسها: هل ستظل المحاماة، كما كانت تاريخيًا، فضاءً للنضال والدفاع عن الحقوق والحريات، تحملها أجيال متعاقبة من المحامين، بما فيهم الجيل الجديد الذي دخل المهنة بروح احتجاجية وحقوقية واضحة، أم ستُدفع قسرًا لتتحول إلى وظيفة منضبطة، خاضعة لمنطق الضبط والمراقبة، ومنزوعة من بعدها التحرري؟
وانطلاقًا من هذا السؤال الجوهري، يتضح أن منطق المشروع لم يُبنَ على حماية حق الدفاع من البداية ، بل على التحكم في الفاعل الذي يمارسه. فـ«الاستقلال» المعلن في النص ليس استقلالًا حقيقيًا، وإنما هو استقلال شكلي، مشروط بالامتثال، ومقيد بشبكة من الواجبات والرقابات، بما يجعل المحامي أكثر حرصًا على السلامة المهنية وأقل جرأة في الدفاع عن الحقوق. وبذلك، نحن لسنا أمام تعديل تقني محايد، بل أمام تحول منهجي عميق في فلسفة الدفاع، وهذا أخطر من أي مساس مباشر بالمهنة، لأنه يفرغها من روحها الحقوقية ويحوّلها تدريجيًا إلى نشاط إداري خاضع للمراقبة.
ويتأكد هذا المنحى أكثر عند النظر في الكيفية التي أعاد بها المشروع هندسة التنظيم الذاتي للمهنة. فبدل أن يعزّز استقلال الهيئات المهنية، يعيد توزيع مراكز القرار خارجها، ويحوّلها من سلطات مستقلة قادرة على حماية مصالح المحامين وضمان استقلالية الدفاع، إلى أجهزة محدودة التأثير، وجعلها أقرب إلى واجهات إدارية تشرعن الرقابة أكثر مما تحمي المهنة. وفي السياق نفسه، لا يبدو أن النظام التأديبي المقترح مجرد آلية للمساءلة، بل هو أداة لإنتاج ثقافة الخوف القانوني والرقابة الذاتية خاصة عند المحامون الشباب، حيث يصبح الاحتجاج المشروع والاجتهاد الدفاعي مخاطرة، ويبهت دور المحامي كحارس لحقوق الناس.
ولا يقف الأمر عند مضمون النص وحده، بل يمتد إلى الطريقة التي أُنتج بها. إذ لا يمكن فصل هذا المشروع عن مسار تشريعي مختلّ، جرى فيه تفريغ مشاورات المحامين من محتواها الحقيقي، وفرض نصوص شبه جاهزة مع تجاهل الاعتراضات الجوهرية، وإعلان التشاور كواجهة شكلية لإضفاء شرعية على خيارات مقرّرة سلفًا. وبهذا المعنى، فإن هذا الاختلال لا يمس فقط بجودة التشريع ودوره، بل يضرب في عمق مشروعيته الديمقراطية، ويحوّل النقاش حول استقلال الدفاع إلى إجراء بروتوكولي بلا أثر فعلي.
وفي هذا السياق، يفرض القانون سؤالًا أعمق من مجرد تنظيم المهنة: أي عدالة تريدها الدولتنا؟
أهي عدالة قائمة على التوازن بين السلطة والحقوق، وعلى قدرة المحامي على الدفاع بحرية وجرأة؟ أم عدالة هادئة، منضبطة، لكنها فاقدة للقدرة على مساءلة التعسف ومواجهة الانتهاكات؟ هذا السؤال ليس نظريًا، بل ينعكس مباشرة على موقع المحامي داخل المجتمع، وعلى طبيعة العلاقة بين الدفاع والسلطة.
ومن ثمّ، فإن رفض هذا القانون لا يمكن اختزاله في موقف مهني ضيق، بل هو موقف حقوقي ونضالي وسياسي في آن واحد. فالمحاماة في بلادنا، كما في تجارب كثيرة عبر العالم، لم تكن يومًا مجرد مهنة تقنية، بل ظلت ساحة صراع من أجل استقلال الدفاع وحماية الحقوق والحريات. ويشهد التاريخ المهني للمحامين على معارك متواصلة، خيضت ضد محاولات إخضاع المهنة، سواء باسم السلطة أو باسم منطق السوق.
ولهذا بالذات، يصبح التصعيد النضالي اليوم داخل المهنة ضرورة لا خيارًا، إذا أُريد الحفاظ على استقلال المحاماة كرافعة للعدالة، وكضمانة أساسية لحقوق المتقاضين. فأي قبول من مؤسساتنا المهنية بهذا المشروع بصيغته الحالية أو بتعديلات طفيفة لن يكون سوى تفريط في الذاكرة النضالية للمهنة، وسيؤدي عمليًا إلى إضعاف قدرة المحامي على الوقوف في وجه التعسف والاستبداد.
وخلاصة القول، إن معركتنا اليوم هي معركة الدفاع عن استقلال المحاماة و تتجاوز حدود المهنة لتغدو معركة اجتماعية وسياسية بامتياز، بل هي امتداد لتاريخ طويل من المقاومة عاشه نقباؤنا وقيادمتنا في هذه المهنة ضدا لكل محاولة ترمي لتحويل العدالة إلى مجرد آليات إدارية وخدماتية. وأي تراجع عن هذه المعركة لا يعني إلا تضييقًا إضافيًا على الحقوق والحريات، وتقريبًا للعدالة من نموذج خاضع لمصالح الدولة ومنطقها الرأسمالي، بدل أن تكون، كما ينبغي، أداة للإنصاف والمساواة وحماية الكرامة الإنسانية.
نجيبة قسومي محامية متمرنة بهيئة طنجة
شارك المقال
مقالات ذات صلة
مسؤولية السيمو والعمالة في نكبة القصر الكبير
مسؤولية السيمو والعمالة في نكبة القصر الكبير عمر صبار المركز المغربي للدراسات والعلوم الاجتماعية في الأيام الأخيرة، تحول وادي اللوكوس ومدينة القصر الكبير إلى مشهد كارثي كشف، بوضوح مؤلم، هشاشة...
ما بين يسار الصراع المتجدد ويسار التبرير..نقد أطروحة عبد الصمد بلكبير
ما بين يسار الصراع المتجدد ويسار التبرير..نقد أطروحة عبد الصمد بلكبير بقلم:العلمي الحروني/منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد ++++ تقدم أطروحة عبد الصمد بلكبير، كما عبّر...
حزب العدالة والتنمية… من “المعارضة الهادئة” إلى حدود معارضة عبد الله بووانو
حزب العدالة والتنمية… من “المعارضة الهادئة” إلى حدود معارضة عبد الله بووانو عبد المولى المروري * ملاحظة: هذا المقال كتبته قبل يومين من الندوة الصحفية التي نظمها الحزب هذا...
