حلت يوم أول أمس الأربعاء الذكرى الرابعة لوفاة بائع السمك محسن فكري الذي قضى نحبه مطحونا داخل شاحنة للنفايات في مدينة الحسيمة، إثر محاولته استعادة أسماكه التي صادرتها السلطات المحلية، وهو ما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة بالمدينة، تطالب بمحاسبة من تسببوا في وفاته، لتتطور المطالب بعد ذلك لتشمل مطالب اجتماعية وتنموية كبناء مستشفى وحل مشكلة البطالة بذات المنطقة.
وبعد مرور 4 سنوات على هذه الحادثة الأليمة والتي أعقبتها احتجاجات صاخبة لم تنته إلا بعد اعتقال الزفزافي ورفاقه، بات الحديث عن قرب انفراجة سياسية قد يعرفها هذا الملف خاصة بعد صدور العفو الملكي على عدة أسماء بارزة في الحراك، وتعبير قائد حراك الريف ناصر الزفزافي، خلال الأسابيع الماضية، عن استعداده للحوار مع الدولة المغربية، ليعاد طرح السؤال مرة أخرى عن مآل هذا الحراك الذي شغل بال المغاربة حيزا مهما من الزمن.
خالد العسري: القضاء على الحراك كرس المنطق المخزني على حساب منطق الدولة الحديثة
وفي جواب عن سؤال مآل حراك الريف بعد 4 سنوات من انطلاقه، يقول الباحث في القانون الدستوري خالد العسري “ما يهمنا في هذا الباب، ونحن نتساءل عن مآل حراك الريف أن نجعل له معايير للحكم عليه، حتى تغدو تلك المعايير وسيلة لفهم مختلف التقديرات ومدى صوابيتها”.
واعتمد العسري على 3 معايير في فهم تجربة هذا الحراك: المعيار الأول يتعلق باستمرارية بنية مخزنية تقليدانية عكس بنية الدولة الحديثة المطلوبة حيث يقول في هذا الصدد “من المؤكد أنه من خلال القضاء المرحلي على الحراك الريفي تكون المملكة قد بعدت عن منطق الدولة الحديثة ونزعت إلى تدبير علاقة المركز بالهامش بالمنطق المخزني. الدولة الحديثة تعتبر الحراك الاجتماعي من سمات مقوماتها وسيروتها وتطورها، وهي من التعبيرات المهمة عن الرأي العام وإرادته، كما أنه حراك يمكن من تجاوز الوساطات العقيمة من أجل تحديث الدولة لوسائطها بشكل ذاتي غير قهري. كل ذلك سقط لصالح منظومة تقليدانية تعيد المنطق المخزني إلى الواجهة الذي يتحرك بمنطق أن الحراك يعد تمردا على سلطته، وحتى وإن كان الحراك لا يسائل النظام السياسي عن مشروعية سلطته”.

ويتابع المتحدث ذاته قائلا “المعيار الثاني يتجلى في إقبار مفهوم “المواطنة” كهوية تقوم على بعد المطالبة بالحق وفق آليات قانونية تتبناها الديمقراطية، وهو ما أبان عنه الحراك الريفي. لكن المنطق التقليداني كرس منطق أن ساكنة الريف “رعية من الرعايا”، بمعنى أنهم موضوع لسياسات السلطة لا مشاركين في اقتراحها، أو حق الاعتراض عليها. إن ذلك يعنى وفق هذا المنطق أنه ينبغي تأديب هؤلاء “المتمردين”، و”العفو” عنهم من طرف السلطة السياسية باعتبار العفو تفضلا من منتصر على منهزم” مشيرا إلى”أننا نتحرك بمنطق الراعي والرعية حينها، لا سيما بعد أن أبانت المؤسسة التشريعية عن عدم قدرتها على مأسسة “العفو” على المعتقلين من خلال عفو عام منصوص عليه دستوريا، وبعيد إلى أقصى مدى بمنطق الدستور التقليداني الضمني المتحكم في البنية السياسية المغربية”.
قبل أن يتابع قائلا “المعيار الثالث يتجلى في إضعاف الانتماء إلى “الهويات” الحديثة المصطنعة التي تمثلها الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات المدنية لصالح الهويات الأولية، والتي تمثلها اللغة والجغرافيا بالنسبة لحراك الريف. ذلك أنه من المؤكد أن جرح الحراك وجد حاضنة من كل الأطياف المهتمة بقيم العدالة والحرية على امتداد التراب الوطني، لكن تعامل السلطة مع أبناء الريف بتلك القسوة لا شك أنه يكرس لدى الأجيال التي عاشت هذه المرحلة الأليمة انتماء إلى اللغة وجغرافيا ضيقة، وتهديده يشكل خطورة على المستوى الاستراتيجي البعيد على كيان الدولة أكثر منه على النظام السياسي. إن ذلك يستدعي أساسا من العقل الاستراتيجي التفكير بمنطق الدولة التي تستمر رغم كل التحولات التي تلحق النظام السياسي”.
ليخلص العسري إلى ضرورة وضع مقاربة شاملة لا تتوقف عند إطلاق سراح المعتقلين فقط، بل تضع الهاجس الأمني في حدوده الضيقة.
عبد الصمد بلكبير: نشطاء الحراك كانوا ضحايا للخارج
في المقابل هاجم المحلل السياسي عبد الصمد بلكبير حراك الريف، واعتبره حركة عفوية تم توظيفها سياسيا من قبل أطراف أجنبية ليستعمل كورقة ضغط على الدولة.

ورفض البرلماني السابق أن يصفه بحراك الريف قائلا “كلمة الريف مصطلح استعماري طائفي” مؤكدا أن الوصف الصحيح هو “أن نقول حراك الحسيمة ونواحيها”.
كما نوه بلكبير بتعامل الدولة مع الحراك، حيث أنها “تصرفت ببعد نظر وانتظرت حتى أوقع الحراك نفسه في أخطاء، كواقعة المسجد، والنزوع الانفصالي الذي ظهر في سلوكات بعض النشطاء”.
واعتبر المتحدث ذاته أن السجن سيشكل فرصة تربية وتأمل لبعض النشطاء الذين وقعوا في بعض الأخطاء بحسن نية منهم خاصة وأن أغلبهم لم يتأطر في تنظيمات سياسية، في نفس الوقت نوه بخطوة الدولة في إطلاق سراح بعض رموز الحراك الذين في الغالب كتبوا رسائل اعتذار للدولة، ليس عن سلوكهم الاحتجاجي، وهذا حقهم بل عن قلة وعيهم، حيث كانوا ضحايا في يد الخارج.
